(1) صديقي الذي أحبه ..
في حجرته الطينية ذات الشباك الخشبي الطويل المطل على الشارع، أدق عليه بأصابعي، يخرج مسرعا، يفتح الباب الخشبي الغليظ، يئن الباب، أدخل، أرى ابتسامته، يمد يده ويظهر السلم الطيني في المواجهة وولد صغير تعدى السنة، يحفر في أرضية الدار، ويطن حوله الذباب. يسألني عن أخباري، وندخل الحجرة، أجلس على الكنبة، يجلس بجوار مكتبه، أمامه كتب وأوراق... قانون مدني وتجاري وكراسات وبطاقة معايدة أرسلها له صديق بالخارج، على وعد بأن يرسل له دعوة للعمل تنشله مما هو فيه. في الركن الآخر من الحجرة كنبتان مضمومتان ولحم مكوم في صورة أيد صغيرة ووجوه وطرحة سوداء فوق وجه صبي اصطف عليها الذباب، يقول :
- تصور.. كل هذه القوانين مستوردة!
يمد يده تحت المكتب، يتناول القربة..
- تشرب ؟
- شكراً.
- أما زلت غارقاً في القوانين؟. ألم تحصل على الليسانس؟
يبتسم، تضيء الابتسامة وجهه النحيف.
- ماذا أفعل.. هل هناك شيء آخر؟
يسكت، تتجه عيناي للكنبتين المضمومتين.. تمتد قدم صغيرة تركل وجهاً صغيراً. أقول:
- عن إذنك.
يشدني لأقعد، أقول:
- تعال نخرج.. نثرثر في الغيطان.
يقول:
في حجرته الطينية ذات الشباك الخشبي الطويل المطل على الشارع، أدق عليه بأصابعي، يخرج مسرعا، يفتح الباب الخشبي الغليظ، يئن الباب، أدخل، أرى ابتسامته، يمد يده ويظهر السلم الطيني في المواجهة وولد صغير تعدى السنة، يحفر في أرضية الدار، ويطن حوله الذباب. يسألني عن أخباري، وندخل الحجرة، أجلس على الكنبة، يجلس بجوار مكتبه، أمامه كتب وأوراق... قانون مدني وتجاري وكراسات وبطاقة معايدة أرسلها له صديق بالخارج، على وعد بأن يرسل له دعوة للعمل تنشله مما هو فيه. في الركن الآخر من الحجرة كنبتان مضمومتان ولحم مكوم في صورة أيد صغيرة ووجوه وطرحة سوداء فوق وجه صبي اصطف عليها الذباب، يقول :
- تصور.. كل هذه القوانين مستوردة!
يمد يده تحت المكتب، يتناول القربة..
- تشرب؟
- شكراً.
- أما زلت غارقاً في القوانين؟. ألم تحصل على الليسانس؟
يبتسم، تضيء الابتسامة وجهه النحيف.
- ماذا أفعل.. هل هناك شيء آخر؟
يسكت، تتجه عيناي للكنبتين المضمومتين.. تمتد قدم صغيرة تركل وجهاً صغيراً. أقول:
- عن إذنك.
يشدني لأقعد، أقول:
- تعال نخرج.. نثرثر في الغيطان.
يقول:
- اصبر.. سيجف جلبابي.. الشمس حامية.
- ألم تجد عملا بعد؟
لا يرد..
كنا نأخذ كتبنا وأرغفتنا للغيطان، وكنا نأخذ غموساً وأقلاماً وكان (مخلل) أمه غير مخلل أمي، اللفت واحد لكن اللون مختلف.. كنت أمد يدي أضع من لفت أمه على لقمتي، ويمد يده يأخذ من لفت أمي على لقمته، يصعد كل منا على شجرة جازورين عالية، نتسابق على الذي يعلو ويكشف في الغيظ عن خط فول زرعه فلاح حدود أرضه.
في البدء نقول: حرام.
ثم نقرر أن الأكل في الغيط ليس حراماً وأن الحرام حقاً أن نحمل لإخواننا الجوعى في جيوبنا، ونرضى بفتوانا: طعم الفول جميل. وكنا نعصر عقولنا في الكتاب، وكنت أنصحه أن يفعل مثلي، يربط رأسه بمنديل يسهل عصر المخ، فيضحك بأسى وهو يلوح بعود نعناع اقتطفه من حافة السكة:
- ليس لديّ منديل.
قطع المذاكرة مرة واحدة وأخذ حفنة من تراب السكة الساخن، ألقى بها في ماء القناة الواقف. تحول لون التراب إلى بياض على السطح .
قال: أرشميدس دا، راجل فاضي.
وفي يوم عدنا مع غروب الشمس ولم يجد أمه في الدار، كانوا قد دفنوها .
ومن يومها صار (المخلل) واحداً ولم نعد نتبادله .
"هوامش"
يحفظ صفحات الكتاب ويخبرك بتأويل كل خط أخذه تحت كلمة، ويذكر لك أرقام الصفحات، والمناسبة التي حفظ فيها كل صفحة .
يسألني: كيف أرسم الوجوه في كراسة الرسم وهو لا يعرف كيف يرسم، عند الضرورة له منهجه في رسم وجه الرجل، يكتب كلمة "ملح" ثم يجر طرفيها العلوي والسفلي لمؤخرة الرأس .
في يوم ما تخلى عن تلك الطريقة، قال: لقد بدأت آخذ من الطبيعة بعدما أدركت روعتها.. قدم لي صورة رائعة. صنع في الوجه أشياء لا أدريها، قال:
- انظر
كان وجه أمه..
قال معلقا:
- هكذا جاءتني البارحة توصيني بأخوتي.
سيدة عجوز تجلس بجواره، يدبج لابنها بالعراق رسالة.
تقول له:
- ارجع فالموت قادم.
تلعن الفلوس، تذكّره بالرسالة التي كتبها لزوجة الزاهي، تريد أحسن منها، يحفظ كل ما تقوله.. تذكره العجوز دائما عند كل رسالة. لا يعبأ بما تقول، رأسه في الورقة والقلم يجري كما النيل، يقدم صياغة جديدة للرسالة، يحدث ابنها عن بلد الرشيد والموصل وسامراء وبعقوبة والخانقين وأبي حنيفة النعمان وموسى بن جعفر وهارون الرشيد وجعفر البرمكي ودجلة والفرات.. وعن الكتب التي ألقيت في النهر بفعل التتار فاصطبغ وجه الماء بزرقة الأحبار، وينسى أن ولدها فلاح لا يجيد القراءة والكتابة، لكن رسائله لأمه يحمّلها الأمانة:
أمانة في رقبتك يامه
السلام لعاطف
أمانة في رقبتك ما يكتب لي غير عاطف".
يقرأ على العجوز...
لا تفهم غير اسم ابنها والصحة والعافية والعمل الذي هناك وسكنه في (السبع أبقار) لكنها تسبل عينيها وتبكي، تزيح الطرحة عن رأسها وتصب على رأس عاطف الدعوات أن يقيه الله شر مرضها وأن يجعل النور في عينيه سراجاً.
تسأله عن هارون وجعفر وموسى، أَهُمْ زملاؤه في العمل؟ يضحك، وتضحك العجوز لضحكه وتسكت..
24 ساعة اجازة
حليق الرأس، يحتويه الزي العسكري، عيناه شاردتان نحو الكنبتين المضمومتين. سيعود.. ليس لوحدته العسكرية في السلوم بل لحدود الكويت، حيث تحفر القبور وتشتعل النار.
- ليس الأمر لهذا الحد.
أقول له، يعاود النظر للكنبتين، تتسلق عيناه الحائط، يبحث عن صرصور يؤرقه، ينظر للسقف، سواد في سواد، يغلق كتاباً أمامه، أساله وأنا أجره للضحك:
- هل تخشى الموت؟
بالموت يجر خطاً على الكتاب:
- نعم.. عندما تنعدم قيمته.
وقع عليه الاختيار، ليقف تحت علم الجمهورية، الفناء واسع، العلم منكس، يشد الحبل لأسفل، يرتفع العلم لأعلى مع صوت الطبلة السريع، يصير العلم عاليا بارتفاع المدرسة، بارتفاع الشجر، بارتفاع مئذنة الجامع الذي بناه الحاج إبراهيم ثم دفن فيه.. كانت خارطة فلسطين تملأ الفصول، تملأ الحقائب، تختلط شوارعها بأقلام الرصاص والمخلل والكعك الذي نشتريه من عم عمر، وكان الأستاذ قد رسم للوطن العربي خارطة ورفض أن يخط بقلمه حدوداً، يقشعر بدن عاطف والعلم يرفرف، يزعق:
- تحيا الجمهورية العربية المتحدة.
ونردد: تحيا الجهورية العربية المتحدة.
والآن مع نشيد بحر البقر.
لقد انقطعت رسائله منذ أسبوع:
أقف في المواجهة، أراك أمامي، وأرى الكنبتين المضمومتين، ولحم إخوتي المكشوف، وكتب القانون..
(على من أطلق النار؟
أطأ بقدمي الأرض محاذراً الألغام، يتلاشى من الأفق لون النار، يعود الصمت، سأضرب أي حدود فاصلة بين الماء والماء.. ذكرني إن عدت كي أحرق كتب القانون...).
كانت هذه آخر رسالة منه قبل الهجوم البري.
ارسل: السبت ديسمبر 22, 2007 6:28 pm
موضوع الرسالة:
El5WaGa >>Ra7aL< رئيس مجلس الادارة
مشكور يا غالي علي مجهودك الرائع
ارسل: الاحد ديسمبر 23, 2007 3:07 pm
موضوع الرسالة: رد علي الموضوع
سيف الامير الحزين مشرف قسم الصحه
شكرا ياحبي علي الموضوع الجميل ده
سيف الامير الحزين
صفحة 1 من 1
قوانين المشاركة
لاتستطيع وضع مواضيع جديدة في هذا المنتدى لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى لا تستطيع تعديل مواضيعك في هذا المنتدى لاتستطيع الغاء مواضيعك في هذا المنتدى لاتستطيع التصويت في هذا المنتدى