واجب عزاء
قصة / فريد محمد معوض
أزعجه صوت مكبر الصوت وهو ينطلق معلناً نبأ موت البك، لم تكن هناك صلة قرابة بينهما، أو لقاء دبرته الصدفة يوماً ، صحيح أنه رآه كثيراً محاطاً بحاشيته، لكنها رؤية غير متبادلة ، ليس هناك إذن ما يدعو للحزن، ولتسقط اللعنات على ذلك المكبر الذي أزعجه، لكن هل يواصل النوم، النوم بعد الموت لا قيمة له، مد سُليمان يده ومررها عبر بيت العنكبوت الكائن خلف النافذة وشد الدرفتين إليه، ومن النصف متر بدا المربع السماوي متوهجاً ، وخلفه سقط المربع الشمسي على الحصيرة، وبدت صورتا أمه وأبيه على الحائط بشريطهما الأسود ، كان يأملان فيه الكثير، وماتا قبل أن يتحقق شيء ، تحسس جلبابه المعلق على مسمار في الحائط ، مرر يده عليه، ثم دفعه وأمسكه من أ علاه ، أدرك صلاحيته ، فردهُ على الكنبة ، وضغط بكفه عليه حتى أدرك آخره، أعاد الكرة مرات ومرات ثم طواه ، رفع شلتة الكنبة إلى منتصفها ووضعه ، ثم أعاد الشلتة فوقه، انحنى والتقط الحذاء، لا بأس به، ومن تحت الكنبه التقط بقية ثوبه القديم وراح يُزيل عنه الغبار، وانتهى من ذلك ، تمدد على الكنبة حيث وضع الجلباب - ساعة واحدة يصير مكوياً ، لكن هل يا ترى ستذهب؟ وهل يلومك أحد إن لم تذهب للعزاء، بالطبع لا، لكن الذهاب أمر ضروري ، لن تستطيع أن تفعل شيئاً في قلب هذه الحجرة البغيضة ، لن اكتفي بالنصف متر لأتابع ما يدور بالشارع ، في الخارج ناس ، وشمس تشرق على الناس وحياة، لابد أن تخرج من روتينك اليومي - الجامعة الحجرة.
دقق النظر في سقف الحجرة وراح يفكر ، ترى لمن تلك الدنيا التي تركها البك ، بيت فخم في وسط جنينة كالجنة ، يمر عليه أولاد البلد فيقولون : سبحان العاطي الوهاب، هو نفسه إذا وصف الجنة شيخ خالها ذلك البيت وفدادين لكن الحلو لا يكتمل ، فلم يترك خلفه لتلك الدنيا الرائعة، قيل العيب عنده، وقيل عندها ، وقيل العيون الصفراء لم ترحمهما ، ترى يا ولد يا سليمان لو ترك أبوك لك هذا الملك ماذا كنت ستفعل ، إني أخاله على سرير المرض محاطاً بالأكواب الدافئة والباردة والناس ، وأنا ملتصق به وهو يردد بحكمة الملوك :
[وصيتي إليك يا سليمان أن تحافظ على هذا الملك وعلى نفسك فأنت حامل اسمي من بعدي] احتضنت عيناه عرقاً خشبياً مسوساً ، صح النوم يا سليمان، أبوك ذاك الأجير عاش أجيراً ومات أجيراً ، وتلك الطيبة كانت تغسل قدميه بماء الترعة ، وتوقد له النار في عز طوبة ليستدفئ ، وكلمة "تُفْرَج" هي أرثك الوحيد عنهما ، كانت هي حديثهما الدائم ومخدرهما الرائع ، وأنت الآخر أجير منذ رحل أبوك ، تجري وراء القرش بغية أن تأكل وتتعلم ، ترى هل صار الجلباب مكوياً ؟ ترى هل يليق الحذاء ، هل يكلف أحد نفسه النظر إليك وأنت تدخل سرادق العزاء ربما، لكنها نظرات تحمل عطفاً أكثر مما تحمل إعجاباً ، لكن.. لا .. سوف أغيرها تلك الليلة ، صر مكوياً يا جلباب ، صر عظيماً يا حذاء.
حاول جاهداً أن يرفع رأسه يتأمل الوجوه ، كان السرادق يمتلئ عن آخره ، البكاوات وأصحاب العباءات ، ووجوه جديدة وافدة، والقرآن ينساب من شفتي الشيخ المشهور :
الله الله يا مولانا .. أعد زدنا
وطواقي كثيرة تعلو الرءوس ، وألوان مختلفة تنبعث من المصابيح ، ابن عم البك ينظر صوب فراغ لا يدريه ، والأفندي يطوف بالقهوة على الناس ، قلما تمتد يد إلى فنجان فهذا عيب في العرف ودناءة تذكر فيما بعد ، فلتمتد يدك يا سليمان ، فلتخرج عن المألوف فليذكروا ذلك بعد أن ينفض الناس، المهم أن يذكروك، ردد وهو يضغط على خوف السنين الله الله يا مولانا
ارتعد حين اقترب الأفندي بالصينية ، تمالك ومد يده ، أصبح الفنجان واقعاً في يده، حاول أن يتجاهل كل الأعين الحاقدة وركز بصره على الشيخ في مقعده :
الله الله يا مولانا
واكتشف أن وجه الشيخ أبيض، وأن جلباب الشيخ أبيض، وحدّس أنه مفعول السمن البلدي الذي يطفح من وجهه ، لا يقرأ الشيخ إلا لأمثال البك، أخذ رشفة ، وأدرك بعدها أن الجميع مُغَفلون ، لكنه أدرك حجم تسرعه، سوف يجعلونها حكاية ، أبوه نفسه لم يفعلها في حياته ، يذكر أنه حكى له عن وقاحة أحدهم حين واتته الجرأة وفعلها ، حتى والده لم يحتل مكاناً في السرادق كهذا ، كان يجلس على الكنبة خارج السرادق ويشهق لسماع القرآن ، ويقوم كلما أتى وافد ويجلس بعد ما يمر ، قد يتأهب للمصافحة فلا يدرك مأربه وقد ينال مصافحة أو اثنين فيشهق سعيداً بما حظى ، يحفظ أسماء المشايخ ويقارن بين طبقات الصوت كخبير مُدَّرب ، اشرب يا سليمان اشرب، وحق الذي وضع السكر في الفنجان وجمع هذا الملأ من كل مكان لو مد كل واحد يده لتلاشت عادة الطواف بالقهوة ، مسكين يا أبي كل هذى السنوات والخجل يحول بينك وبين هؤلاء بما يتميزون عنك وأنت زارع كل هذه الأشجار والأزهار ، ورافع الجدران الواطئة التي أدركها وحل الشتاء ، ورافع الأبواب التي يقف الطين في حلوقها ، وباسط التراب في الأرض قبل أن تصير خطوطاً للزرع ومشيد لهم مقابرهم، ها هو أحدهم يجلس متلفعاً بعباءة حجازية مكوراً رأسه بشال أبيض يطرقع حبات مسبحته ربما تجاوز من الأعوام المائة وليست خمساً وأربعين عاشها أبوك وسبعاً وأربعين عاشتهم أمك.. استغفر الله .. الأعمار بيد الله يا ابن الأزهر الشريف الذي هو المنارة والحضارة .. لكنه الشقاء الذي يختصر الأعمار ، أبوك كان يقول "عمر الشقي بقي" هأ هأ هاى .. اضحك يا قلب وإياك يا فم أن تنفتح ، أنت جالس في حضرة القرآن ، أقرأ الفاتحة لقد أنهى الشيخ القراءة ؟ ماذا ؟ أنهى الشيخ القراءة ،جاءت اللحظة الحاسمة، نعم هكذا صر، استمر في المضي ، إلى أين؟ إلى حيث يجلس الشيخ، الشيخ؟ نعم الشيخ تمالك جيداً ، أحسنت ، ارم نظرة على الجالسين ، نظرة نارية وأخرى احتقارية ، ثق أنهم أجهل منك، ارم كل السنوات العقيمة وراء ظهرك، بادر بالحمد لله، نعم هكذا قوية .. انطلق .. قل .. هو هكذا .. استشهد بالآيات والأحاديث ، حسناً أن اخترت الموت موضوعاً فهو يخضع الأنفس ، هات من عند أبي العتاهية والبوصيري ، آفة الأئمة في تلك البلدة التكرار والثريد، وماذا في ذلك فلتدمع الأعين فلينزل مع الدموع غبار تلك السنوات المجدبة ، وحكاية نباش القبور الذي حاول أن يغتصب ميتة ، وأجمل منك قط لم تر عيني ، وأحسن منك لم تلد النساء ، ليس للبيت علاقة بالموت - لكن لا ضرر ولا ضرار الشعر يشد القلوب والأرواح ، كنت تظن نفسك شاعر العصر حينما كان يصفق لك بعض من الطلبة ، حتى كشفك أحدهم يوماً وقال لك :
- ليس هذا شعراً ما تقول
ولكي لا تكون الصدمة قوية قال لك: أنت تنفع في كل شيء - أي شيء - إلا شيئاً واحداً أن تكتب شعراً ، إذن لماذا لا أكون كل شيء ، كل شيء في هذه البلدة الآكلة لحم أبي :
أحسنت يا أستاذ .. أكرمك الله يا أستاذ .. ابن مَنْ ..
معقول ؟ ... بسم الله ما شاء الله
ليس هذا بمستغرب ، يعرف أن الأمر سينتهي بالإعجاب ، وهل سمعوا مثل ما سمعوا الآن .. فقط كانوا يسمعون أوامر البك ، حاشية البك.. يعرف أن صاحب الجلباب الأخضر سيكون أكثر الشادين على يده .. المعجبين به ، وسوف يدعوه ليصلي بهم في جامع القرية بدلاً من الشيخ الذي يقرأ لهم من ورقة وبعين واحدة ، لكن هل يجور على الشيخ المسكين فليكن ما يكون .. هي البداية .. من هنا .. من هذا السرادق يا بلد سوف يؤذن الديك الكسلان.
وراح سليمان يبتسم ويبتسم كلما احتضنه أحد أو أمسكت به يد ، فقد كان ما توقع، لقد كانت حساباته دقيقة في هذه الليلة .
لكن افرض يا سليمان أنهم لم يمنحوك فرصة لتخطب فيهم أو لم يوافقك الحظ للجلوس داخل السرادق .. ماذا يمكن أن تفعل ..
وانتفض سليمان من فوق الكنبة ورفع الشلتة إلى منتصفها وقال:
صر مكوياً يا جلباب .. صر نظيفاً يا حذاء
لاتستطيع وضع مواضيع جديدة في هذا المنتدى لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى لا تستطيع تعديل مواضيعك في هذا المنتدى لاتستطيع الغاء مواضيعك في هذا المنتدى لاتستطيع التصويت في هذا المنتدى