الملف الشخصي شارك منتدي الخواجه قائمة المنتديات قائمة الاعضاء المجموعات ابحـث دخول ادخل لقراءة رسائلك الخاصة س و ج


 منتدي الخواجه قائمة المنتديات -> * قسم القصص القصيرة *
هذه قصة للكاتب فريد محمد معوض تحولت لسهرة تليفزيونية
 اسم مشترك: تذكرني؟
    كلمة السر:


انشر موضوع جديد   رد على موضوع

استعرض مواضيع سابقة:   

 

نشرة ارسل: الجمعة ديسمبر 21, 2007 12:31 am  موضوع الرسالة: هذه قصة للكاتب فريد محمد معوض تحولت لسهرة تليفزيونية

el_zaeym2006
مشرف قسم الصحه

معلومات العضو






 


عزاء أهل القرية 
قصة / فريد محمد معوض
(1)

-     وعاد لبلده التي كرهها .
قالها "شحاتة" وهو يحطم المطبات العالية في طريق المقابر بالفأس ، ليجعلها في مستوى الأرض ، ويزيح الفائض منها على جانبي الطريق .
-     لو بقى حيا ما أتاها .
عقّب سعد وهو يرش الماء على الطريق .
-     قالوا سيرصفون الطريق الزراعي ، أيعقل هذا ، طوال عمرنا نطلب منه ذلك، لم يفعلها وهو حيّ .
-     يا غبي سيفعلها أهله .. ليس من أجل سواد أعيننا .
هنا فهم شحاتة ما يقصده سعد ، وهو أن معارف البك كثيرون من مشاهير ورجال أعمال ، وأن البك كان يعمل منتجا للسينما وعضوا بالبرلمان ، وأنه خدم هؤلاء جميعا ، وأن اسمه يلمع بينهم كالنجم ، كما تدور الأحاديث في وسط الفلاحين أن البك له أصحاب من أوروبا وسيحضرون للعزاء ، بل سيتناولون العشاء في منزله بالقرية ، أما المقرئون فمن الإذاعة .. غير الرتب العسكرية، والدكاترة ، والمحامين الذين سيحضرون ، وهؤلاء في حاجة إلى طريق ممهد ، ونقل عن أهل البك أن المشكلات التي تعترض رصف الطريق إلى المدينة يجب انتزاع ملكية ما يقرب من خمسين فدانا واقتلاع ما يقرب من مائتي شجرة ، ثم الشروع في إزالة "الكوبري الحزين" ونقله إلى مكان آخر بالبناء الحديث على أن يطلق عليه اسم البك .
-     لكن أيمكنهم رصف الطريق قبل العزاء ؟!
قالها شحاتة ضاحكا :
-     ألم أقل لك يا "غبي" ؟! سيرجئون ذلك للأربعين ويكتفون بتمهيد الطريق الآن.
-     شئ غريب .. عملنا في أرضه دون أن نراه !!
-     يكفى أن يرى أولادنا الطريق مرصوفا حتى المدينة .
كان الطريق الزراعي يمتلئ عن آخره بالمأجورين لغرض الترميم .. آخرون صعدوا فوق أشجار الجازورين لغرض التقليم ، أما الأشجار التي تقف في مدخل البلد ، كان عمال الكهرباء يعلقون عليها اللمبات الكهربية واللافتات الورقية ، بل تألق عامل الكهرباء ونظم المصابيح على هيئة "سعيكم مشكور" وكان بيت العمدة مكتظا بالأفندية ، والعمدة بنفسه كان يقدم لهم الواجب ، ويطمئنهم أن كل شئ على ما يرام ، بعد أن أطلق أمرا بحظر تجوال البهائم منعا من الروث المفاجئ وأمرا لنساء القرية بتنظيف الشوارع ، ولم يكن "سعد" أقل من أحد فقد نحر من الطيور مثل غيره ، وكان وزوجته لا يهمهما الابن العائد بعد عمر طويل بقدر ما يهمهما رؤية المشاهير.. وهم يطأون أرض القرية ، ومنى سعد نفسه بيوم جميل لا تدار فيه ساقية ولا يبقى في الغيط طوال النهار ، أما شحاتة فهو من المواظبين على صلاة الفجر ، كان في فرح طفولي مبعثه أن المقرئين المشاهير سيحضرون وأنه سيرى سحنهم إلى جانب السماع .. وله ولأمثاله عند المرحوم منحة سنوية يوزعها العمدة بمعرفته ، ويناشد البك المستفيدين منها بالشئ اليسير يقابلونه دائما بالموافقة والترحاب ، وهو أن تكون أعينهم على الأرض وإبلاغهم له بالشئ - أن تطلب الأمر ، وثمة شائعات تدور في بيوت هؤلاء أنهم من أجل المرحوم سيكثرون في النقود والصدقات وسيكون شحاته وسعد في مقدمة المندسين في جموع هؤلاء بعد أن يزيلا تراب الجبانة المتعلق بأقدامهما .
(2)

فرت الطيور هاربة عندما افتقدت مكانا تحط فيه على الأرض المكتظة بأهالي القرية ، حطت عاليا فوق السرادق المقام أمام دوار الإصلاح ، واصطفت غير عابئة بالهمهمات والأصوات العالية ، وكانت في انتظامها أفقية على عكس المقاعد التي وضعت داخل السرادق ، الأولاد تجمعوا حول جريد النخل المزين بورود طبيعية مختلفة وعرفوا صورة الرجل الكهل القابعة بداخله ، حتى طاردهم الحاج جاد الله بعصا طويلة فتفرقوا حول السرادق ، ولعنهم الحاج بإنفة تتفق وشخصه كمسئول عن أراضى البك ، الحاج جاد الله صديق للبك ، يعرف طريقه إلى قلب البك ، يذهب إليه فى المدينة ، يحاسب البك على كل صغيرة وكبيرة ، يعرف كيف يمتص غضب البك ويبلع إهاناته، ينقل كل ما يدور بالقرية ويبالغ في الذم والمدح إن كانت هناك فائدة من ذلك ، أو أراد أن يزرع واحدا في العمل أو يقطع آخر .. هكذا يقولون عنه .. كل إيماءة منه تهدف إلى شئ ، والذي ليس له كبير يشترى كبيرا ودائما في القرية ما يكون الحاج كبيرا ، ودائما الاختيار رغما عن الناس ، فالحاج يملك العصمة والنقود وله حق السيطرة على أرض وفضاء البك ، ودائما يتشدق الحاج بأن البك يحبه ولا يحلو له أكل البط السوداني إلا من عنده ، لذا فالحاج يرسل له زوجته بالذي فيه النصيب ، وهى تحصل مقابل ذلك على أجر .. هو في رأى أهل القرية يفوق أجر كل العاملين في القرية لدى البك ، ووجه زوجة الحاج "حلو ومدور" وهذا رأى الجميع .. ويبررون ذلك بأن وجهها لم تصبغه الشمس ولم يشهد قيلولة أو ساعة نحس - تلك التي تعلو وجوه نساء القرية دائما .. يواصل الحاج مطاردة الصغار من حول السرادق ، يواصل البك الابتسام وتطلع عيناه من بين الجريد فيسمع صرخة زوجة الحاج فتتسع ابتسامته .

(3)

في مثل هذه الحالات يكون الشيخ أحمد كالشمس تطلع على الجميع ، وإن خانه التقدير فهو في بيته يكون في انتظار إشارة أو طرقة واحدة على الباب لينتفض من فوق السرير الكامن في الحجرة المظلمة ، وما إن يطالعه الداخل حتى يدعو للفقيد أو الفقيدة بالرحمة ، بل يمد يده إلى خيط يصل من خلاله إلى صلة قرابة بينه وبين المرحوم ، ثم يسأل عن موعد الدفن ، والحق أن الشيخ أحمد لم يكن لديه أي أمل في أن يأتي إليه أحد اليوم - يدعوه للقراءة على روح الفقيد الجديد ، فالألسنة لاكت أسماء المشاهير الذين سيحضرون ، لكن طيفا من الأمل كان يلوح فتشرق معه نفسه - إنه ساعة الدفن سيدفع بنفسه قهرا حتى يمثل أمام القبر ويرفع صوته الأجش ، وفى هذه الحالة لن يستطيع أن يمنعه أحد ، وبعدها يترك الباقي على الله ، لقد فعل ذلك عدة مرات وكان لا يرد خائبا بدليل أنه مازال يعيش بحكمة أبيه ، لم يتعلم منه القراءة فحسب ، بل تعلم منه كيف يكون قريبا من المكان الذي ينفذ فيه أمر الله ، حتى لا يسبقه أحد فينوب عنه بالقراءة على رأس المرحوم، وقد نجح في ذلك حتى عبّر أحدهم بقوله : الشيخ أحمد يصطدم بملك الموت وهو خارج من أي دار ، إذن عدم خروج الشيخ أحمد اليوم شئ منطقي ، مادام يعرف أنه ليس في قائمة المحسوبين ، وأن اندفاعه لمن يلمس فيهم حاجتهم له ، غير أن زوجته التي تجلس في باحة الدار تغسل الأوعية الفارغة ما زالت تلح ، تحاول أن تقتلعه من فوق السرير وتطلب منه أن يحوم هناك ، ولكنه كان مستسلما وهو يقول لها : أن الميت لم يأت بعد حتى أندفع وأقرأ على رأسه ، قال هذا وراح ينزع عنه جلبابه الباهت السميك ، وسحب أكياس البلاستيك المحاطة بالسرير ، وسحب عصاه ، وراح ينقر رأسا برأس فنزل العيل تلو العيل مندفعين نحو أمهم .. التي تهلل وجهها في حين حظي الأخير بضربتين شديدتين جزاء الأثر الذي تركه مكانه ، وكأنه لم ير شيئا قال وعينه على بصيص النور الآتي من ثقب نافذة  مغلقة بعشرات المسامير : أفيقوا أيها الكلاب .. ماذا لو توقف صوتي وأنا لا أتقن غير القراءة ، وتوا كانت زوجته قد محت الأثر ، وشدت الشيخ أحمد من ذراعه ، وقطعت ذراعها إن لم يكن زملاؤه ماثلين الآن هناك ، حينئذ نهض يقاوم السقوط ، وسمع بأذنيه -  مقدما - الناس وهم يستعيذون بالله من صوته ، غير أنه تمالك وراح يتلقى بكفيه الماء من زوجته ويصفع وجهه الشاحب .

(4)

قال العمدة لشاكر :
-     أراك مجنونا تزعم أن الحاج جاد الله مال على أرضك ، وتجاوز حدود أرضه، الحاج الذي يملك الآن عشرة أفدنة يسرق من صاحب القيراطين .. ومتى يسرق ؟! في يوم كهذا .. يمارس فيه الواجب ويقابل فيه الضيوف .. اتقِ الله يا شاكر فأنت تهذي ، اليوم الدنيا مقلوبة وأعدك في الغد أن أنظر في المسألة .. أما أنت يا عبد ربه فأمر عجيب .. مالك يا ولد.. أجننت ؟ تريد لأهل البك أن يغضبوا ، أنت قلتها : ابني الوحيد .. وما دمت تعرف ذلك فكيف حالك لو خسر ولدك رضاء أهل البك في حياتك ؟ لماذا تلعب بالنار ؟
تحشرج صوت عبد ربه وهو يقسم أنه لن يرجئ يوما واحدا .
رد العمدة قائلا :
-     مادام الموعد قد تحدد فلا مانع أن تحضر عروس ابنك في الخفاء ودون زعيق فالناس "خواطر" وانت سيد العارفين بالأصول .

(5)

حين تناهى صوت الحاج جاد الله كان شحاتة وسعد قد استلقيا على الطريق الرئيسي للجبانة، توسد شحاتة قصعة التراب ، واستند سعد إلى جذع شجرة ، كرر الحاج لفظ الجلالة مرتين ، ثم أردف بأنهما ملعونان ، وقال سعد : إن الطريق صار كفا واحدا ، وقال شحاتة : أنهم انتهوا من كل شئ ، وأشار الحاج إلى الشجرة التي كان يستند عليها سعد منذ دقائق ، وقال : هذه في عنق الطريق وأنها لو قطعت سيتسع الطريق كثيرا ، وما إن انتهيا من ذلك حتى أمرهما برش الطريق بالرمل ، ثم أشار إليهما أن يتبعانه ، وراح يمشى حتى بلغ مقابر البك ، يقول الناس أنها أعلى من ديارهم التي يسكنوها ، وفى مدخل مقابر عائلة البك ردهة واسعة أحيطت بسياج قصير ، وضعت فوقه الأواني الفخارية وبدا منها الزرع أخضر ، وعلى واجهة المقابر {روح وريحان وجنات نعيم }- كتبت بلون مختلف عن لون طلاء الجدران - إن زائر المقبرة يجد متعة في أن يمر أمامها ، ودخل الحاج إلى الردهة على استحياء ، كان محنى الرأس ، وقف أمام البك الكبير ، بحلق سعد وشحاتة في القطعة الرخامية، كانا يجهلان أن اسم البك مكتوب فوقها ، تابعا الحاج وهو يقترب ، حنى الحاج رأسه وخاطب البك الكبير بكلام خافت غير مفهوم ، ثم جهر قائلا : لكن الفاتحة وجبت ، ولم يقرأها ، صرخ كمن لدغه عقرب : أنتما واقفان ؟!!
قال سعد : لم تأمر بشئ .
-     آمركما بماذا .. أأحضرتكما لتتفرجا علىّ ؟!!
ثم وهو ساخط على غبائهما أمرهما بتنظيف المكان وريّ الزرع في الأواني وأن يفتحا القبر المجاور للبك الكبير وأن يرجئا رش الرمل لساعة ..

(6)

أحلّ "عبد ربه" الغناء في بيته دون الزغاريد والطبول والرقص ، وأرسل لصاحب الميكروفون بأنه لا يريده فتلقى الخبر فرحا ، وقال أنه سينضم لموكب البك، تناثر البعض في باحة الدار والصغار واصلوا الغناء بعد أن أدخلهم عبد ربه الحجرة الأخيرة .. انتحى بابنه جانبا ، كلمه عن الواجب والأصول ، وخشيته أن يأكل الناس وجهه لأنه تجاوز حدود اللياقة ، أو يأتي من لا يفهم ويلومه لوم العارفين بالأصول .. أطرق ابنه ولم يتحدث ، ثم أومأ موافقا لأبيه ، وسأله أبوه : ماذا يجدي الصخب ما دامت عروسك ستأتي ، وتضمها إلى صدرك مع احتضار النهار ، ليس مهما أن تأتى في صمت أو غير صمت ، هذه أشياء لا معنى لها . أطرق عبد ربه وهو يحدث زوجته :
-     جاء اليوم الذي انتظرناه .. أزعم أن "علياً" في شوق إلى ليلته هذه .. ماذا يود غير ذلك ، وماذا يجدي اللف في شوارع البلدة محاطا بالغناء والزغاريد ، أشياء لا معنى لها ولا قيمة.. الفرح في القلب كما يقولون وفرحتنا اليوم - يا أم على - لا تضارعها فرحة ..
وطب منها أن تطلق زغرودة وتوا طلب إجهاضها .. قال : إن الفرحة أنسَته الأصول .. وسألته أم على : لماذا لم يحضر المأذون بعد ؟
قال أنه ذهب إليه أربع مرات ، قالوا أنه ما يزال في منزل البك .. ثم قال يطمئنها : سيصل يا أم على سيصل .. كل ما هنالك أن المأذون يعرف الأصـول جيـدا .
(7)

حين انفتح القبر ظهر واسعا كحجرة ، قام شحاتة وسعد بوضع الرمل وتنظيمه ثم سكبا زجاجات العطر فاستحمت حبات الرمل ، وحينما صار القبر مهيئا ، كان التعب قد نال منهما ، أمسك شحاتة ظهره وحدق في اتساع القبر ، ولم يشعر برهبة الداخل على القبور ، بل تخيل نفسه راقدا بالداخل محاطا بالجلال والزخارف والروائح الطيبة ، إنه في حاجة إلى الراحة ، يعمل في أرض البك منذ كان صبيا ، تعلم من الحاج جاد الله كيف أن الله قال {امشوا في مناكبها وكلوا من رزقه .. } ومن يومها وما زال يتعلم ، والذي لا يستوعبه عقله يستوعبه قفاه .. وهو مدين للحاج ، إنه مازال يذكر يوم جاءه الحاج وسأله :
-     متى تتزوج يا شحاتة ؟
-     عندما أرى حلمة أذني يا حاج .
-     والذي يزوجك يا شحاتة ؟!!
-     يزوجني ؟!!أعيش له خداما
-     ما رأيك في البنت "زكية بنت الهنداوي"
وقف شحاتة فاغرا فاه غير مصدق ، فزكية كانت حلم الكثيرين من أبناء القرية .
-     زكية يا حاج ؟!!
وأكد الحاج أنها بعينها ، وأنه جدير بها ولن تجد أفضل منه ، وقبل أن يطير شحاتة من الفرحة ، همس الحاج :
-     ولكن عليك ألا تكون ضيق الأفق .. تعال ..
وأخذه جانبا وشرح له كيف أن زكية كانت ذاهبة إلى أقاربها في "عزبة الكفر" حين اعترضها ابن الحرام خرب الله بيته ، وحين انتفض بقوته استسلمت وحين أفاقت كان القمر قد اختفى .. وأبوها كما ترى صاحب مرض وفقير .
-     استر على بنت الناس يا شحاتة .. إن الله حليم ستار .
ثم أردف وهو يأخذه إلى بعيد :
-     لما علمت بمأساة البنت الغلبانة - حين جاءتني باكية ، خصصت مائة جنيه لمن يستر عليها .. خذ يا شحاتة وابدأ حياتك .
كان الحاج يعلم أنه بحاجة إلى وقت لإقناعه ، فراح يواصل حديثة عن الشهامة والمروءة ، وكيف أن الله سيفتح له أبواب الرزق على مصراعيها وسيفتح بيته ببركة الستر عليها ، وتنهد الحاج وهو يشرح لشحاتة : كيف أن وجهها يشرح القلب وكيف تشرق فترد الروح الغائبة .
وخفق قلب شحاتة ودارت رأسه وسرعان ما استيقظ ضميره وصلاته ونسكه ، ثم أنه سينعم بزوجة جميلة مثل زوجة الحاج ، ابتسم الحاج وتنهد مستريحا .
ومازال شحاتة يحيا بكدِّه ، وسيظل كذلك ، بل أنه يحسد نفسه أحيانا بأن زوجته تريد أن تشاركه العمل وتخرج إلى أرض البك وقد وافقها الحاج في ذلك ، لكنه رفض ، إنه رجل ، والرجل خلق في كبد ، إنه يشكر  للحاج سعيه ، صحيح أنه يغضب عليه ، بل ويضربه أحيانا ، ومرات عديدة لا يعطيه أجره بحجة أنه لم يخلص في عمله ، لكنه يفعل ذلك مع سعد وشاكر ومرسى ، ثم أنه الحاج الذي يدخل بيته المتواضع ، يسأله عن حاله وأخباره ومشاكله ، بل لا يدرى كيف يتشمم مشاكله فيأتي على حين غفلة ويلقى له النقود ، أو عند عودته تبلغه زوجته أن الحاج ترك له نقودا، حين أفاق شحاتة من شروده كان سعد قد أسلم جسده لنوم عميق ، أما الحاج فقد اختفى تماما .. أسلم شحاتة جسده للأرض ، ولم ينم ، راح يحدق في اتساع القبر ، لكن رائحة العطر ارتطمت بأنفه فأغمض عينيه .

(Cool

ظلت الطيور تحلق فوق حديقة منزل البك دون أن تجد سبيلا للهبوط فوق الأشجار ، تناثر النحل فوق رؤوس العاملين ، حام فوقهم دون أن يمس أحدهم ، ظلوا في خوف منه حتى غادرهم إلى الياسمين ، نوافذ المنزل فتحت ، لم تفتح منذ زمن بعيد غير يوم شم النسيم كل عام ، حيث يأتي أهل البك ورفاقه ويمكثون طوال النهار، لكنهم لا يبقون بالليل ، ثم تغلق النوافذ مرة أخرى ، وهناك إجماع على أن المنزل مسكون بالعفاريت وهى التي تفتح النوافذ بالليل ، وتوقد الشموع ، وترتفع دقات الطبول ويعلو الصخب ، ويسمع اليمام وهو يئن بالليل ، البعض يؤكد أن اليمام يرى أكثر منا لذا يعلن مخاوفه بالأنين ، ويؤكد "عبد السميع" ابن قريتنا و الذي لا يترك ركعة واحدة أنها - أي العفاريت – تتناسل داخل المنزل وتتكاثر ، غير أن البعض يتهمه وأمثاله بالجهل معلنين عن أملهم في النوم ليلة واحدة في هذا المنزل ، حيث الهواء الذي يرد الروح ورائحة الزهور، بل سأل أحد البسطاء من قريتنا شيخ المسجد عما إذا كانت الجنة أحلى من منزل البك أم العكس ، وغيره يقول أنه رغم عدم وجود أحد إلا أن المنزل يمتلئ عن آخره بصنوف اللحم وثمرات التفاح ، وعناقيد العنب ، وأن البك وأهله لا يأكلون العنقود كاملا بل هي حبة واحدة أو اثنتين ثم يلقون الباقي ، وهنيئا لعم سليمان حارس المنزل لو كان موجودا لحظتئذ ، كما أنه بالمنزل حجرة ، يعتقد الشخص ذاته أنها الوسطي التي تطل على الأراضي الزراعية ، وأنها ملأى عن آخرها بنقود ذهبية وغير ذهبية .
وضعت المقاعد متناثرة في الحديقة ، وكذلك في مدخل المنزل الذي يفضى إلى جناح البك ، ويؤكد المخضرمون وكبار السن أن البك لم يدخل هذا الجناح إلا في أيام شبابه ، ولم يأت مثل أهله في شم النسيم ، فقط أيام كان البك الكبير موجودا ، وكان يأتي بفتيات جميلات إحداهن تذكرها القرية جيدا بشعرها الذي كاد يبلغ الأرض ، وحبها للتجوال في القرية ، وكانت تضحك من قلبها فرحة بالأولاد الذين يتعقبونها ، وبرغم أن ذلك مضى منذ زمن بعيد إلا أن أحد أبناء القرية يؤكد أنه لمحها بحديقة منزل البك ليلا ، غير أن أحدا لم يصدقه رغم الأيمان التي بعثرها على الجالسين .
تدلت المصابيح من فروع الأشجار ، وزرعت الأماكن الخالية من الشجر بالمقاعد ، قالوا أن المرحوم سيأتي المنزل أولا كي يودعه ، ثم بعد ذلك سيتحركون حتى الجامع الكبير الذي تدب فيه الحركة الآن ، والفاهمون من العاملين لدى البك يفضلون البقاء بجوار المنزل ليكونوا في طليعة المستقبلين للمرحوم ، ولأن الحاج جاد الله مشاغله كثيرة - إذ وجب عليه أن يتابع المقابر والجامع الصغير وعمال الكهرباء وحجرة التليفون ومنزل البك وأماكن أخرى ، بل من الحيطة أن يدبر نفسه من ناحية الحسابات ، لذا فإنه سريع التنقل ، وإن كانت أرض الحديقة تجذب قدميه فيبقى بها أكثر ، ويصيح الصغار فيظن أنه قدوم البك ، وعندما يشرب المقلب يلعن آباءهم الذين أنجبوهم وهم لا يملكون ثمن قوتهم ، ويكرر الحاج رأيه كثيرا : من يرغب في النسل الكثير عليه أن يضمن المستقبل في يديه ، وأي مستقبل أعظم من منزل البك ، هذا الذي يقوم فوق عشرة أفدنة ، وحديقة تتفجر خلالها الأنهار ، وأشجار من كل نوع ، إن مثل البك في رأى الحاج عليه أن يضاجع زوجته ليل نهار كي تملأ هذه المساحة الشاسعة بالخلفة ، إن حياة البك لخير مثال للحاج ، إنه يعشقها ويتمناها ويكره الفقر والذل إنه يعترف أنه أمر زوجته وهى حبلى في شهرها الأول أن تتملى من خلقة البك وتتأمل حسنه ، إذن لا غرابة أن يأتي ابنه الثاني والأخير صورة مشابهة للبك تماما .
يتنهد الحاج ويسب الفقر ثم يستطرد :
-     لا أصدق أنه مات .
ويعاود التأمل في الحديقة وقد صارت حلة رائعة ، إنه ينتظر الليل بفارغ الصبر ، مشتاق إلى ضوء المصابيح وهى تتدلى من فروع الأشجار ، مشتاق إلى وجوه المشاهير وضوء المصابيح ينعكس عليها .

(9)

"خلاصة ما قاله عمدتنا المثقف للمتحلقين حول السرادق"
غدا يزين البك صفحات الصحف ، وتأتى التعازي من مختلف الهيئات ، يشاطرون أهل البك الأحزان ، وأنها فرصة للتكاتل في إنزال العزاء الذي يحمل اسم قريتنا ، لتعرف الدنيا نتاج قريتنا وليقترن اسمها بمنتج السينما وعضو البرلمان وأن للبك فضلا علينا وإن كان لا يأتي القرية إلا أن توجيهاته التي يرسلها لنا مع زائريه صنعت لنا المستحيل ، ولابد أن نلتمس له العذر فقد كان يحمل همَّا تنوء به الجبال ، فأي جهد بشرى يوفق بين الفن والسياسة ، إنه أمر جد عسير ، إن عقل المرحوم استطاع أن يجمع بين الاثنتين لذا فهو محبوب لدى الجميع ، وبعد قليل سترون عندما يصل إلى القرية ، كيف أن "سامول" سترتفع إلى العنان ، وكيف تطير أخبارها إلى العالم ، وكيف يحملون صوره فوق الأعناق ، وكيف تشرف مقابرنا ، ويكثر روادها يوم العيد ، وستوزع الرحمات وسيقف الموزعون على أبواب المقابر يكتبون الأول بالأول والثاني بالثاني ، حتى يشبع فقراء القرية ويكون العيد عيدا بحق ، إنه ما من صعوبة اعترضت طريق العدالة إلا سافرت إلى القاهرة وعرضتها على البك كنت أجد عند المرحوم حلا شافيا واستقبالا حانيا ، ويسعدني أن أبلغكم خبرا أتوقع أنهم يفكرون فيه ، ثمَّ مشروع صناعي كبير سيقام في قريتنا نظرا لإقامة البك التي ستدوم ، ستخصص ثلاثون فدانا لهذا العمل الضخم ، وربما تحولت "سامول" إلى قلعة صناعية  وستنفتح البيوت وتحل بها البركات، هلموا فالبك على وشك الوصول .

(10)

دارت مكبرات الصوت تعلن عن قدوم المرحوم ، امتلأ الجرن بعربات ذات ألوان مختلفة ، وقف الخفراء لحراستها من العفاريت الصغيرة التي تجلب الفضائح ، أهل المرحوم فرشوا الجامع الكبير بالموكيت ، وألقى الحصير البالي عند مكان الوضوء ، ومن نفس الجامع بدأت مراسم الدفن ، تقدم التلاميذ في صفوف منتظمة ، على رأس كل فصل مدرس ، في صدر الأفواج يسير الناظر ومدير الشئون الاجتماعية وطبيب الوحدة الصحية ومأذون الناحية ، ظهر التلاميذ في زى موحد ، راقبت النسوة الأفندية من فوق أسطح المنازل وهم يتقدمون المشيعين ويسيرون خلف التلاميذ ، ظهرت الأسطح عارية بعد نزول القش في الأماكن الواطئة بشوارع القرية، رجال القرية ذوى الطواقى والجلابيب كانوا في الذيل ، شاهد الجميع عن بعد البقرة التي فرت من إحدى الدور بعد أن حلت وثاقها ، وعرفوا صاحبها عبد الجواد حين كان يتبعها في خجل ، ارتفع الدخان فوق الأسطح ، ظلت رائحة الطهي تلازم الأنوف طوال سيرهم ، تأمل الأفندية بعضهم ساعة تكرر خوار البقر وأنين الماعز ، مر المشيعون أمام دار عبد ربه كان بابها مغلقا ولا أثر لشئ ، مالت رؤوس أصحاب الطواقى ، ونبت همس غير مسموع ، لم تكن خلف الجنازة نسوة تصرخ وتولول كعادتها بكلمات دامية ، كانت أخريات يرتدين ملابس سوداء وشفافة ويتحدثن بصوت عال :
-     لا أكاد أصدق ، عاش يكرهها و في آخر لحظة يوصى أن يدفن بها !!
-     مسكين يا "رأفت" أنتركك هنا ؟!
شوهد عبد ربه في الخلف ، مد أحدهم يده خلسة ليسلم عليه ، استقبلت أذن عبد ربه فمه ، انفجرت شفتا عبد ربه قليلا في امتنان ، أطرق عبد ربه رأسه ثانية ، لا أثر لتراب على جلباب شحاتة وسعد ، انحرف الموكب إلى طريق آخر بينما كان آخره في غير الطريقين ، شوهد الموكب من فوق الأسطح طويلا كثعبان يتلوى ، بدا حاملا النعش كأسراب النمل ، بدت الحقول واسعة على مد البصر ، وشجرة قريبة تتطوح يمينا وشمالا كأصبع يحركه رافض .
رجعت النسوة بأمر من أصحاب الطواقى حين اقترب الموكب من المقابر ، عادت الكتلة السوداء تثرثر ، تحلق التلاميذ حول المقابر ، صنعوا دائرة كبيرة انحصر الموتى داخلها ، ثم فح الثعبان في وجه المقابر فولت الطيور هاربة نحو الفضاء ، زمجرت فروع الأشجار ، وغاصت الأقدام في تراب الجبانة ، واهتز الغطاء فوق جسد البك ، وظهر القبر مفتوحا ، الضيوف وقفوا صامتين ، تقدم أصحاب الطواقى ، حملوا النعش إلى المثوى الأخير ، ظهرت مقابر البك شامخة ، عزفت موسيقى غريبة ، لم تشهد مقابر القرية موسيقى من قبل ، خيم الصمت قليلا ، ثم فضّ العمدة بكارته ، انسل عبد ربه نحو الفراغ ، برز العمدة وسط الأفندية ، لوح بيده شاكرا وقال :
-     عزاء أهل القرية مقتصر على تشييع الجنازة .
وبالليل كان السرادق يحوى بالقرية أصحاب البذلات فقط ، وأهالي القرية ذهبوا يمتعون أنظارهم – عن بعد – برؤية المشاهير .
تمت

     

استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة

 

رد مع اشارة الى الموضوع


نشرة ارسل: السبت ديسمبر 22, 2007 3:56 pm  موضوع الرسالة:

El5WaGa >>Ra7aL<
رئيس مجلس الادارة
رئيس مجلس الادارة

معلومات العضو






 


     

استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة ارسل الرسالة

 

رد مع اشارة الى الموضوع


نشرة ارسل: الخميس يناير 03, 2008 12:00 pm  موضوع الرسالة:

اسكت خالص ومتحكيش
المراقب العام

معلومات العضو






 




_________________
نحـــــــــن لا نعنى الافضلــيه ولكن نعنى التمــــيز

اسكت خالص ومتحكيش كل كلامك ما يكفيش

     

استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة

 

رد مع اشارة الى الموضوع


انشر موضوع جديد   رد على موضوع
صفحة 1 من 1

قوانين المشاركة

لاتستطيع وضع مواضيع جديدة في هذا المنتدى
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
لا تستطيع تعديل مواضيعك في هذا المنتدى
لاتستطيع الغاء مواضيعك في هذا المنتدى
لاتستطيع التصويت في هذا المنتدى

انتقل الى:  

استعرض الموضوع السابق :: استعرض الموضوع التالي  

 

Tell a Friend

لوّن - بوابة المصمم